مجلس العلماء الإندونيسي
كالمنتان الشرقية
الأمانة العامة: شارع …………………… سمارندا، كالمنتان الشرقية
قرار فتوى
لجنة الفتوى بمجلس العلماء الإندونيسي بكالمنتان الشرقية
رقم: ……/MUI-Kaltim/……/٢٠٢٦
بموضوع
«النكاح الباطن» أو «النكاح الداودي»
(النكاح بغير وليٍّ و/أو بغير شاهدين)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إنَّ لجنة الفتوى بمجلس العلماء الإندونيسي بكالمنتان الشرقية، بعد:
الحيثيات (المُلاحَظات):
أ. أنَّ ظاهرة «النكاح الباطن» قد انتشرت في المجتمع، وصارت تُتَّخذ ذريعةً في وقائع التحرش والاعتداء الجنسي؛
ب. أنَّ من الناس من يدَّعي أنَّ «النكاح الباطن» نكاحٌ صحيحٌ شرعي، مستندًا في تجويزه إلى قولٍ نُسِب إلى الإمام داود الظاهري، فيزعم أنَّ العلاقة الواقعة ليست زنًا؛
ج. أنَّ هذا الادعاء يُفضي إلى إضلال المجتمع، ويَخدِش حُرمة مؤسسة النكاح المكرَّمة في الإسلام، ويُحتمل أن يُصنَّف تحريفًا للدين وإهانةً له وفق ما نصَّت عليه الأنظمة والقوانين المعمول بها؛
د. أنَّ لجنة الفتوى بمجلس العلماء الإندونيسي بكالمنتان الشرقية ترى ضرورةَ إصدار فتوى حازمةٍ شاملةٍ تحقيقًا لليقين القانوني للمجتمع ولأجهزة إنفاذ القانون في معالجة النوازل المشابهة.
وبالنظر إلى:
١. الآيات القرآنية:
أ. قوله تعالى الدالُّ على أنَّ النكاح لا بدَّ أن يكون بإذن الوليِّ وعلمه:
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
﴿النساء: ٢٥﴾. وهذه الآية تشترط إذن الوليِّ (الأهل) صريحًا جزءًا لا ينفصل عن النكاح الصحيح.
ب. قوله تعالى المؤكِّد لولاية الوليِّ والمُشعِر بأنَّ النكاح لا يتمُّ بدون مشاركته:
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
﴿البقرة: ٢٣٢﴾. فالآية تُشعِر بأنَّ للوليِّ ولايةً على نكاح مَن تحت ولايته، إذ لا يكون النهي عن العَضْل ذا معنًى إلَّا إذا كان للوليِّ دورٌ واجبٌ يقوم به.
ج. قوله تعالى في حقوق النساء التي لا تترتَّب إلَّا على نكاحٍ صحيحٍ شرعًا:
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
﴿النساء: ١٩﴾. وهذه الحقوق لا تنشأ إلَّا من نكاحٍ صحيح؛ و«النكاح الباطن» الذي لم تتحقَّق فيه أركان النكاح وشروط صحته لا يُرتِّب أيَّ حقٍّ ولا واجبٍ بين الطرفين.
د. قوله تعالى في النهي عن قُربان الزنا وعن كلِّ ما يُوصِل إليه:
وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا
﴿الإسراء: ٣٢﴾.
هـ. قوله تعالى في الوعيد والحدِّ المقرَّر على الزاني:
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
﴿النور: ٢﴾.
و. قوله تعالى الدالُّ على استثناء المظلوم من عموم النهي عن قول السوء والغيبة:
لَا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْۤءِ مِنَ الْقَوْلِ اِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۗوَكَانَ اللّٰهُ سَمِيْعًا عَلِيْمًا
﴿النساء: ١٤٨﴾. وهذه الآية دليلٌ على أنَّ بعض الغيبة والأقوال المحرَّمة مستثنًى بأحوالٍ معيَّنة.
٢. الأحاديث النبوية، ومنها:
أ. قوله ﷺ في لزوم الوليِّ في كلِّ نكاحٍ صحيح:
لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيِّ
(أخرجه أبو داود ٢٠٨٥، والترمذي ١١٠١، وابن ماجه ١٨٨١، وأحمد ٢٤٩٥٤، عن عائشة رضي الله عنها).
ب. قوله ﷺ في لزوم الوليِّ وشاهدَي عدلٍ:
لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيِّ وَشَاهِدَيْ عَدْلْ
(أخرجه ابن حِبَّان ٤٠٧٥، والبيهقي ١٣٦٣٣، وصحَّحه ابن حِبَّان).
ج. قوله ﷺ في بطلان النكاح المعقود بغير إذن الوليِّ:
أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ
(أخرجه أبو داود ٢٠٨٣، والترمذي ١١٠٢، وأحمد ٢٤٢٠٥، عن عائشة رضي الله عنها).
د. قوله ﷺ الدالُّ على أنَّ النكاح الصحيح لا بدَّ من إعلانه — وهو مناقضٌ لحقيقة «النكاح الباطن» المستور عن الوليِّ والمجتمع:
فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ
(أخرجه الترمذي ١٠٨٨، وابن ماجه ١٨٩٦، وأحمد ١٥٧٠٩). وهذا يدلُّ على أنَّ النكاح الصحيح ظاهرٌ معلومٌ عند الناس، لا شيءٌ يُكتَم ويُستَر.
هـ. قوله ﷺ في النهي عن السكوت على المعصية، والنهي عن تعيير الفاعل بما ليس من إقامة الحدِّ والحكم، والنهي عن الغيبة مع استثناء ما كان لإقامة الحقِّ:
الذنبُ شؤمٌ على غيرِ فاعلهِ، إنْ عيَّرَهُ ابتُلِيَ بهِ، وإنِ اغتابهَ أَثِمَ، وإنْ رضِيَ بهِ شاركَهُ.
(أخرجه الديلمي ٣١٩٦). وفيه النهي عن السكوت على المعصية إذا انتشرت، والنهي عمَّا لا صلة له بالنهي عن المنكر وإقامة الحقِّ.
٣. القواعد الأصولية:
أ. قاعدةٌ في دلالة الأمر على الوجوب (فيما يتعلَّق بالأمر بالنكاح بإذن الوليِّ):
الأَصْلُ فِي الأَمْرِ لِلْوُجُوب
ومعناها: أنَّ الأصل في الأمر أن يكون للوجوب. والبيان: أنَّ قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ وَرَد بصيغة الأمر، فدلَّ على أنَّ استئذان الوليِّ في النكاح واجبٌ لا مجرَّد مستحبٍّ.
ب. قاعدةٌ في اقتضاء النهي الفسادَ والبطلان (فيما يتعلَّق بالنهي عن النكاح بغير وليٍّ):
النَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ
والبيان: أنَّ قوله ﷺ بِبُطلان النكاح بغير إذن الوليِّ يدلُّ على أنَّ هذا النهي مُفضٍ مباشرةً إلى عدم صحة عقد النكاح وبطلانه حكمًا.
٤. القواعد الفقهية:
أ. قاعدةٌ في أنَّ الأصل في الفروج التحريم:
الأصل في الأبضاع التحريم
ومعناها: أنَّ الأصل في أمر الفروج والاستمتاع التحريمُ حتى يقوم دليل الحلِّ.
ب. قاعدةٌ في زيادة الاحتياط في الفروج — ولها صلةٌ بدعوى الجواز المنسوبة إلى داود الظاهري:
يحتاط فِي الْفُرُوجِ مَا لَا يُحْتَاطُ فِي الْأَمْوَالِ
ومعناها: أنَّ الاحتياط في أمر الفروج مطلوبٌ أكثر من الاحتياط في الأموال.
ج. قاعدةٌ في أنَّ الوطء في غير مِلك اليمين لا ينفكُّ عن مهرٍ (نكاحٍ صحيح) أو عقوبةٍ:
لا يخلو الوطء في غير ملك اليمين عن مهر أو عقوبة
ومعناها: أنَّ كلَّ وطءٍ عدا وطء المملوكة لا بدَّ أن يقترن به مهرٌ (بنكاحٍ صحيح) أو عقوبةٌ.
د. قاعدةٌ في عدم اعتبار الجهل بما هو معلومٌ من الدين — وفي هذا السياق: تحريم النكاح بغير وليٍّ وشاهدَين:
كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل
ومعناها: أنَّ مَن جهل تحريم أمرٍ يعلمه غالب الناس فلا يُقبل عذره.
وبالاطلاع على:
١. قول الإمام القُدُوري (ت ٤٢٨ هـ) في «مختصر القُدُوري» — وهو من متون المذهب الحنفي — مؤكِّدًا أنَّ الشهود شرطٌ مطلقٌ لصحة النكاح، حتى في المذهب الأخفِّ في مسألة الوليِّ:
“وَلَا يَعْقِدُ نِكَاحَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ حُرَّيْنِ بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ رَجُلْ وَامْرَأَتَيْنِ”
(«مختصر القُدُوري»). وهذا يُثبِت أنَّ النكاح بغير شهودٍ باطلٌ عند الحنفية جميعًا.
٢. ما جاء في «الفقه على المذاهب الأربعة» (٤٦/٤) جامعًا لأقوال المذاهب الأربعة:
“قَدْ عَرَفْتَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ اصْطَلَحُوا عَلَى عَدِّ الْوَلِيِّ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ لَا يَتَحَقَّقُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِدُونَهُ وَاصْطَلَحَ الْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدِّهِ شَرْطًا لَا رُكْنًا”
(«الفقه على المذاهب الأربعة» ٤٦/٤). وأمَّا الشهود فقد اتَّفقت المذاهب كلُّها على أنَّ النكاح لا يصحُّ بدونهم.
٣. فتوى الحافظ ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) الصريحة في تحريم تقليد داود الظاهري في النكاح وبيان أثره الحكمي:
“لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ دَاوُدَ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيِّ وَلَا شُهُودٍ، وَمَنْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ خَالٍ عَنْهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ”
(«فتاوى ابن حجر الهيتمي»).
٤. ما في كتاب «التقليد والاجتهاد» (ص ٢٢–٢٣)، وقوَّاه العلَّامة الشِّبْرامَلِّسي في حواشيه على «النهاية»:
“وَمِنْهَا مَا نُسِبَ إِلَى دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ مِنَ جَوَازِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيِّ وَلَا شُهُودٍ فَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ وَمِمَّنْ يُصحُّ بِحُرْمَةِ تَقْلِيدِهِ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْعَلَّامَةُ الشِّبْرَامَلْسِيُّ فِي حَوَاشِي النِّهَايَةِ”
(«التقليد والاجتهاد» ص ٢٢–٢٣).
٥. قول الإمام ابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦ هـ) في «المحلَّى بالآثار» (ج ٩) — وهو أصل مذهب الظاهرية — فإنَّه يمنع النكاح بغير وليٍّ لجميع النساء، ثيِّبًا كانت أو بكرًا؛ فالمذهب الذي يُتَّخذ سندًا هو في الحقيقة رادٌّ لهذه الممارسة:
“مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ نِكَاحٌ – ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا – إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا الأَبِ، أَوِ الإِخْوَةِ، أَوِ الْجَدِّ، أَوِ الأَعْمَامِ، أَوْ بَنِي الأَعْمَامِ – وَإِنْ بَعُدُوا – وَالأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ أَوْلَى”
(«المحلَّى بالآثار» ج ٩). فتبيَّن أنَّ «المحلَّى» — المرجع الأمَّ للمذهب الظاهري — ليس كتابًا يُجوِّز النكاح بغير وليٍّ، بل هو رادٌّ له.
٦. قول القاضي ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ) في «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» (ج ٢ ص ٣٦) ناقلًا قول داود الظاهري على وجهٍ مقيَّدٍ — يُسقِط شرط الوليِّ في الثيِّب فقط، لا الشهود، ولا في البكر:
“وَفَرَّقَ دَاوُدُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، فَقَالَ بِاشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي الْبِكْرِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الثَّيِّبِ”
(«بداية المجتهد» ج ٢ ص ٣٦).
٧. قول العلَّامة عبد الوهَّاب الشعراني (ت ٩٧٣ هـ) في «الميزان الكبرى» (ج ٢ ص ١٠٢) ناقلًا قول داود بالقيد نفسه — إسقاط شرط الوليِّ في الثيِّب فقط، دون أيِّ إشارةٍ إلى إسقاط الشهود:
“وَمَعَ قَوْلِ دَاوُدَ: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا صَحَّ”
(«الميزان الكبرى» ج ٢ ص ١٠٢). وبهذا فإنَّ أوثق نقلَين لقول داود — «بداية المجتهد» و«الميزان الكبرى» — إنَّما يُسقِطان الوليَّ في الثيِّب ولا يُسقِطان الشهود بحالٍ؛ فدعوى «النكاح بغير وليٍّ ولا شهودٍ» لا سند لها حتى في قول داود نفسه.
٨. قول عبد الرحمن باعلوي في «بغية المسترشدين» (ص ١٤) مؤكِّدًا الإجماع الذي نقله ابن الصلاح على منع تقليد غير الأئمة الأربعة:
“مَسْأَلَةٌ: نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، أَيْ حَتَّى الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنِ الْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى، لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِنِسْبَتِهَا لِأَرْبَابِهَا بِأَسَانِيدَ تَمْنَعُ التَّحْرِيفَ وَالتَّبْدِيلَ”
(«بغية المسترشدين» ص ١٤). فالاستدلال بقول داود الظاهري مردودٌ كذلك من جهة قواعد التقليد نفسها.
٩. وفي الكتاب نفسه «المحلَّى بالآثار» (ج ٩) أوجب ابن حزم الوليمةَ على كلِّ مَن تزوَّج — وهو عنصر إعلانٍ يستحيل تحقُّقه في «النكاح الباطن» المستور، حتى على المذهب الظاهري الذي يُتَّخذ سندًا:
“مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ تَزَوَّجَ أَنْ يُولِمَ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ”
(«المحلَّى بالآثار» ج ٩). فالوليمة المعلَنة المعلومة عند الناس جزءٌ من النكاح حتى في المذهب الظاهري؛ فـ«النكاح الباطن» المتعمَّد استتاره مناقضٌ للمذهب الذي احتُجَّ به.
١٠. قول الحافظ ابن حجر الهيتمي في «الفتاوى الفقهية الكبرى» مقرِّرًا أنَّ الخلاف الضعيف لا يُعتبر، فلو سُلِّم صحة النسبة إلى داود لم يُلتفَت إليه في هذه المسألة:
“فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ دَاوُدَ قَائِلٌ بِحِلِّ ذَلِكَ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، عَلَى أَنَّ كَثِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنَعُوا مِنْ تَقْلِيدِهِ كَسَائِرِ الظَّاهِرِيَّةِ لِأَنَّهُمْ لِإِنْكَارِهِمُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ يَرْتَكِبُونَ السَّفْسَافَ مِنَ الْآرَاءِ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِآرَائِهِمْ … بِخِلَافِ النِّكَاحِ الْخَالِي عَنِ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ وَالْإِعْلَانِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ شَاذًّا، فَاتَّضَحَ الْحَدُّ فِيهِ وَبَطَلَ الْقَوْلُ الْمُخَالِفُ لِذَلِكَ”
(«الفتاوى الفقهية الكبرى» لابن حجر الهيتمي، ج ٤).
١١. أنَّ من خصائص النبي ﷺ التي قرَّرها العلماء انعقادَ نكاحه بغير وليٍّ ولا شهودٍ — وهو استثناءٌ من القاعدة العامة المشترطة للوليِّ والشاهدَين، وفي ذلك تأكيدٌ على أنَّ هذا الباب مسدودٌ في حقِّ غيره ﷺ. ومستند هذه الخصيصة ما يلي:
أ. القرآن الكريم، سورة الأحزاب [٣٣]: ٣٧ — فالله تعالى هو الذي زوَّج زينب بنت جحش للنبي ﷺ بغير وليٍّ ولا عقدٍ ولا شهودٍ:
فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا
﴿الأحزاب: ٣٧﴾. وقد أكَّد المفسِّرون أنَّ زينب زوَّجها الله تعالى مباشرةً بغير وليٍّ ولا عقدٍ — وهي خصيصةٌ للنبي ﷺ.
ب. ما أخرجه البخاري حين كانت زينب تفخر بنكاحها على أزواج النبي ﷺ:
كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَفْخَرُ عَلَىٰ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِيَ اللهُ تَعَالَىٰ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ
(أخرجه البخاري، كتاب التوحيد). وهذه الرواية تؤكِّد أنَّ نكاحه ﷺ وقع بغير وليٍّ من البشر.
ج. أنَّ هذه الخصيصة مدوَّنةٌ في كتب الخصائص والفقه — ومنها «روضة الطالبين» للنووي (كتاب النكاح، باب خصائص النبي ﷺ)، و«الخصائص الكبرى» للسيوطي، و«المواهب اللدنية» للقَسْطَلَّاني — بالصيغة المشهورة:
“ومِن خصائصِه صلى الله عليه وسلم انعقادُ نكاحِه بغيرِ وليٍّ ولا شهودٍ”
وأمَّا غيره ﷺ فيبقى شرط الوليِّ والشاهدَين في حقِّه على الإطلاق؛ فلا يسوغ لأحدٍ أن يحتجَّ بنكاح النبي ﷺ على تجويز النكاح بغير وليٍّ وشاهدَين.
١٢. قول الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) — كما رواه الخلَّال في «السنة» — حين سُئل عمَّا هو أفضل: الإكثار من العبادة الخاصة أم بيان حال الداعي إلى الضلال، فقرَّر أنَّ ما كان نفعه عائدًا على المسلمين أفضل:
“إِذَا صَلَّى وَصَامَ وَاعْتَكَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَفْضَلُ”
(الخلَّال، «السنة»). فبيان حال ناشر الانحراف حمايةً للأمة من الأعمال التي يتعدَّى نفعها إلى المسلمين.
١٣. قول الإمام الآجُرِّي (ت ٣٦٠ هـ) في «الشريعة» مؤكِّدًا عدم حِلِّ السكوت عن الداعي إلى الانحراف لئلَّا يُغترَّ به العوامُّ:
“لَا يَحِلُّ لِمَنْ رَأَى رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ … لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ الْجُهَّالُ”
(الآجُرِّي، «الشريعة»).
١٤. قول الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في «الكفاية» مقرِّرًا وجوب بيان حال المبتدع ليُتجنَّب:
“يَجِبُ بَيَانُ حَالِ الْمُبْتَدِعِ لِيُتَجَنَّبَ”
(الخطيب البغدادي، «الكفاية»).
١٥. قول الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) في «الأذكار» جاعلًا الجرحَ من النصيحة لا من الغيبة المحرَّمة:
“مِنَ النَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ”
(النووي، «الأذكار»). وقد أكَّد النووي أنَّ التحذير من هذا القبيل من الأحوال المستثناة من تحريم الغيبة لِما فيه من المصلحة الشرعية.
١٦. قول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في «مجموع الفتاوى» مؤكِّدًا وجوب الإنكار وبيان الحال إذا أظهر صاحبه انحرافه، وأنَّ ذلك من النصيحة:
“فَإِذَا أَظْهَرَ الرَّجُلُ الْبِدْعَةَ وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَبَيَانُ حَالِهِ … مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ”
(ابن تيمية، «مجموع الفتاوى»).
وتوكُّلًا على الله سبحانه وتعالى
قرَّرت
تقرير: فتوى بشأن «النكاح الباطن» أو «النكاح الداودي» (النكاح بغير وليٍّ و/أو بغير شهودٍ)
أولًا: أحكامٌ عامة
المقصود في هذه الفتوى بما يلي:
١. «النكاح الباطن» هو النكاح بغير وليٍّ وشاهدَين، أي ممارسةٌ للنكاح تُقام دون تحقُّق أحد الأمرَين أو كليهما: (أ) وليُّ نكاحٍ صحيحٍ، وهو وليُّ النسب المستوفي للشروط أو وليُّ الحاكم؛ و(ب) شاهدان رجلان مستوفيان للشروط الشرعية.
وبعض المتعاطين له يسمُّونه أيضًا «النكاح الداودي»، نسبةً إلى القول المنسوب إلى الإمام داود الظاهري المدَّعى أنَّه يُجوِّز النكاح بغير وليٍّ و/أو شهودٍ — وهي نسبةٌ غير صحيحةٍ ومردودةٌ على ما تقرَّر في هذه الفتوى.
٢. «وليُّ النكاح الصحيح» هو وليُّ النسب المسلم البالغ العاقل الحرُّ العدل غير المحرم بحجٍّ أو عمرةٍ؛ أو وليُّ الحاكم الذي تُعيِّنه الدولة إذا لم يكن وليُّ النسب موجودًا، أو كان مجهول المكان، أو عاضلًا ممتنعًا عن التزويج.
٣. «الشاهد الصحيح» هما رجلان مسلمان بالغان عاقلان عدلان قادران على سماع العقد المتلفَّظ به وفهمه حال انعقاده.
ثانيًا: الأحكام الشرعية
١. النكاح المعقود بغير وليٍّ صحيحٍ باطلٌ وغير صحيحٍ عند الشافعية والمالكية والحنابلة. وأمَّا عند الحنفية فنكاح المرأة البالغة العاقلة بغير وليٍّ موقوفٌ يحتاج إلى إقرار الوليِّ وإجازته، ولا يُعدُّ صحيحًا بحالٍ مع غياب الشهود.
٢. النكاح المعقود بغير شهودٍ صحيحين باطلٌ وغير صحيحٍ بإجماع علماء المذاهب الأربعة كافةً؛ ولم يُجوِّز أحدٌ من العلماء المعتبرين النكاح بلا شهودٍ أصلًا.
٣. «النكاح الباطن» — المعقود بغير وليٍّ ولا شهودٍ — حرامٌ وباطلٌ على الإطلاق، بدلالة القرآن والسنة وإجماع علماء المذاهب المعتبرة كلِّها.
٤. العلاقة الجنسية الواقعة بناءً على «النكاح الباطن» زنًا، وهو من الكبائر، ومتوعَّدٌ عليه بالعقوبة الشديدة في الشريعة الإسلامية.
٥. الاحتجاج بقول داود الظاهري في تجويز «النكاح الباطن» غير سائغٍ؛ لأنَّ: (أ) إجماع العلماء يقرِّر منع تقليد غير الأئمة الأربعة؛ (ب) الحافظ ابن حجر الهيتمي أوجب حدَّ الزنا على مَن وطئ في نكاحٍ خالٍ من الوليِّ والشهود؛ (ج) العلَّامة الشِّبْرامَلِّسي أكَّد تحريم تقليد ذلك القول.
٦. دعوى أنَّ «النكاح الباطن» نكاحٌ صحيحٌ شرعًا دعوى باطلةٌ، وهي تحريفٌ لتعاليم الدين وقلبٌ لها، ويمكن تصنيفها إهانةً للدين وفق ما نصَّ عليه القانون رقم ١/PNPS/١٩٦٥ بشأن الوقاية من إساءة استخدام الدين و/أو إهانته.
٧. تحذير المجتمع من ممارسة «النكاح الباطن» ومن القائمين عليها، والإبلاغ عنهم إلى الجهات المختصة، داخلٌ في باب النصيحة والتحذير المأمور بهما شرعًا، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وليس من الغيبة المحرَّمة، ما دام مبنيًّا على الوقائع الصحيحة، مقصودًا به حماية الدين والمجتمع، غير مقصودٍ به تصفية العداوات الشخصية أو التشهير بلا مستندٍ.
ثالثًا: التوصيات
١. وزارة الشؤون الدينية بجمهورية إندونيسيا والجهات ذات الصلة:
أ. تشديد الرقابة على ممارسات النكاح غير المسجَّلة وغير المستوفية لشروط صحة النكاح؛
ب. تكثيف التوعية بأهمية النكاح الصحيح وفق الشريعة الإسلامية وتسجيله رسميًّا، وبخاصةٍ في الأوساط المعرَّضة لإساءة استخدام الأدلة الشرعية.
٢. أجهزة إنفاذ القانون:
أ. ملاحقة القائمين بـ«النكاح الباطن» عبر المسار الجزائي الكامل، دون اللجوء إلى آلية العدالة التصالحية (restorative justice)، تحقيقًا للردع الفعلي ومنعًا لتكرار مثل هذه الممارسة في المجتمع؛
ب. تتبُّع شُبهة إهانة الدين والنظر فيها في القضايا التي يدَّعي فيها الفاعل صريحًا أنَّ «النكاح الباطن» نكاحٌ صحيحٌ في الإسلام، فإنَّ ذلك تحريفٌ لتعاليم الدين يمكن تجريمه وفق القانون رقم ١/PNPS/١٩٦٥؛
ج. عدم إتاحة المجال للفاعل لاتخاذ الدين ذريعةً للتخفيف من العقوبة، إذ إنَّ اتخاذ هذه الذريعة نفسه ظرفٌ مشدِّدٌ، لأنَّه يضيف بُعد إهانة الدين إلى جريمة الزنا ذاتها.
٣. المجتمع:
أ. عدم تصديق دعوى أيِّ أحدٍ يقول بإمكان عقد نكاحٍ صحيحٍ بغير وليٍّ وشاهدَين، بأيِّ صورةٍ كانت وبأيِّ ذريعةٍ؛
ب. المبادرة بالإبلاغ إلى الجهات المختصة عند العلم بوجود ممارسة «النكاح الباطن» أو ما يشابهها في محيطهم؛
ج. التأكُّد من أنَّ كلَّ نكاحٍ يُعقد في الأسرة مستوفٍ لأركان النكاح وشروط صحته وفق الشريعة الإسلامية، ومسجَّلٌ رسميًّا وفق الأنظمة المعمول بها؛
د. المتابعة الدورية لأبنائهم المقيمين في المهاجع أو المعاهد الدينية (البيسانترين)، ومن ذلك سؤالهم بعنايةٍ وتدقيقٍ عمَّا إذا كان أحدٌ قد دعاهم أو أغراهم بالزواج أثناء إقامتهم في المهجع.
٤. المؤسسات التعليمية الإسلامية والمعاهد الدينية:
أ. تأكيد وتقوية فهم الطلاب والدارسين والمجتمع المحيط لأركان النكاح وشروط صحته وفق الشريعة الإسلامية، وللآثار الحكمية للنكاح غير الصحيح؛
ب. الحذر من الذين يستغلُّون المكانة الدينية وعلاقة الشيخ بالطالب لارتكاب ما يخالف الشريعة، وبناء آليةِ إبلاغٍ آمنةٍ للطلاب أو لأفراد المجتمع الذين يتعرَّضون لمثل هذا الانحراف.
٥. العلماء ووجهاء الدين والدعاة:
أ. التحذير الفعَّال للمجتمع من خطر ممارسة «النكاح الباطن» ومن كلِّ صور إساءة استخدام الأدلة الشرعية لتسويغ الزنا؛
ب. بيان أركان النكاح وشروط صحته للأمة وفق الشريعة، والتأكيد على أنَّ التحذير من ناشر الضلال نصيحةٌ لا غيبةٌ؛
ج. إبلاغ هذا التحذير على وجهٍ مبنيٍّ على العلم والواقع، مقصودًا به حماية الأمة، خاليًا من الأهواء والعداوات الشخصية؛
د. عدم التستُّر على التحذير من خطر ما يبثُّه الفاعل أو منع نشره، فإنَّ إبلاغ التحذير من المنكر ونشره حمايةً للأمة من النهي عن المنكر الواجب، لا من الأمور التي يسوغ كتمانها.
٦. المجني عليهم والشهود والناشطون:
أ. عدم الخوف أو التردُّد في الإبلاغ عن ممارسة «النكاح الباطن» التي تعرَّضوا لها أو علموا بها إلى الجهات المختصة، فإنَّ الإبلاغ عن المنكر دفعًا لفسادٍ أكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛
ب. تقديم البلاغ مبنيًّا على الوقائع والأدلة الصحيحة، دون مبالغةٍ ولا تنقيصٍ، ليكون التعامل معه عادلًا متناسبًا؛
ج. اليقين بأنَّ كشف مثل هذه الممارسة والإبلاغ عنها بنيَّة حماية الدين والعِرض والمجتمع ليس من الغيبة المحرَّمة، بل هو من النصيحة المأمور بها شرعًا.
رابعًا: أحكامٌ ختامية
١. تُعمل هذه الفتوى من تاريخ إقرارها، وإذا تبيَّنت الحاجة إلى تصحيحٍ مستقبلًا فستُصحَّح وتُستكمل على الوجه اللائق.
٢. يُهاب بنشر هذه الفتوى وتعميمها ليعلمها كلُّ مسلمٍ ومن يحتاج إليها.
وبهذا أُقرَّت هذه الفتوى بكامل المسؤولية، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، حفظًا للدين، وحفظًا للعِرض، وحفظًا للعقل، وحفظًا للنسل. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنَّ علينا جميعًا بالتوفيق والهداية.
حُرِّر في: سمارندا
التاريخ: ……… هـ / ……… ٢٠٢٦ م
رئيس لجنة الفتوى،
( ________________________________ )
أمين لجنة الفتوى،
( ________________________________ )
للعلم،
مجلس إدارة
مجلس العلماء الإندونيسي بكالمنتان الشرقية
الرئيس العام،
( ________________________________ )
الأمين العام،
( ________________________________ )
